ابن الجوزي
192
صفة الصفوة
أحمد بن أبي الحواريّ قال : بات أبو سليمان ذات ليلة فلما انتصف الليل قام ليتهيّأ ، فلما أدخل يده في الإناء بقي على حالته حتى انفجر الصبح ، وكان وقت الإقامة . فخشيت أن تفوته الصلاة فقلت : الصلاة يرحمك اللّه . فقال : لا حول ولا قوة إلا باللّه [ العليّ العظيم ] . ثم قال : يا أحمد أدخلت يدي في الإناء فعارضني معارض من سرّي : هب أنك غسلت بالماء ما ظهر منك فبما ذا تغسل قلبك ؟ فبقيت متفكرا حتى قلت بالغموم والأحزان فيما يفوتني من الأنس باللّه عزّ وجل . أحمد بن أبي الحواريّ قال : سمعت أبا سليمان يقول : ما يسرّ العاقل أن الدنيا له منذ خلقت إلى أن تفنى ، يتنعم فيها حلالا لا يسأل عنه يوم القيامة وأنه حجب عن اللّه عزّ وجل ساعة واحدة ، فكيف بمن حجب أيام الدنيا وأيام الآخرة ؟ أحمد بن أبي الحواريّ قال : سمعت أبا سليمان يقول : ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار ، وربما رأيتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها وكيف تهنئ الدنيا من كانت هذه صفته ؟ وسمعته يقول : إنما ارتفعوا بالخوف ، فإن ضيّعوا نزلوا وينبغي لعاقل وإن بلغ أعلى درجة أن يفزع قلبه بأسفل درجة من ذكر الموت والمقابر والبعث . وقلت لأبي سليمان إني قد غبطت بني إسرائيل . قال : بأيّ شيء ويحك ؟ قلت : بثمانمائة سنة بأربعمائة سنة ، حتى يصيروا كالشّنان « 1 » البالية وكالأوتار . قال : ما ظننت إلا أنك قد جئت بشيء ، لا واللّه لا يريد اللّه عزّ وجل منا أن تيبس جلودنا على عظامنا ولا يريد منا إلا صدق النية فيما عنده ، هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما نال ذاك في عمره . وسمعت أبا سليمان ، وذكر له رجل ، فقال : لقد وقع على قلبي ولكن صف لي حاله . فقلت : إنه نشأ في الصوف والقرآن وأكل الملّة « 2 » . فقال : قد كنت أحبّ أن يكون ممن وجد طعم الدنيا ثم تركها ، لأنه إذا وجد طعمها ثم تركها لم يغتر بها ، وإذا كان ممن لم يجد طعمها لم آمن عليه إذا وجد طعمها أن يرجع إليها .
--> ( 1 ) هي القربة الخلق وجمع الشن شنان . ( 2 ) الملة : الخبز الذي يخبز على الرماد الحار .